ساحة الرأي

“حكمة البسطاء بين الرضوخ والطموح “

“حكمة البسطاء بين الرضوخ والطموح “

 

 

 

 

هانى رحيل

"حكمة البسطاء بين الرضوخ والطموح "

 

 

 

 

كانت هناك قرية تقع على شاطئ البحر ، يعيش أهلها حياة الكفاف ، في كل صباح يمتطون قواربهم الصغيرة التي تصارع الأمواج المتلاطمة من أجل الحصول على ما يُقيم أصلابهم ويسد حاجتهم من الطعام لهذا اليوم .
وفي رحلة العودة من أعماق البحر ، يهرع كل منهم إلى أطفاله وزوجه التى تنتظره بشغف ، وعيناها تحمل له كل الاحترام والتقدير لمجهوداته.
يهم الجميع لإعداد الطعام ، حيث يقوم الزوج بإشعال الحطب الذي قد أحضرته الزوجة من أعالي الجبال المطلة على البحر ، وتقوم الزوجة بإعداد السمك ووضعه على الجمرات بعد أن خمدت نيرانها ، فيتولى الأطفال تجهيز مكانا لتناول الطعام.
هذا المشهد البسيط هو تكرار لحياتهم اليومية ، فالأسماك بالبحر كثيرة ، والحطب بالجبال متوفر بكثرة ، والأسرة متعاون أفرادها .
هذا ديدنهم وحال كل الأسر المجاورة لهم ، يعيشون الحياة بأبسط صورها بعيدا عن المنافسة والتزاحم .
فإذا نظرنا بعين المحلل النفسي والاجتماعي ، سنجد التكافل الاجتماعي والتعايش السلمي والمشاركة الإيجابية بشكل ملحوظ .
ستجد الرجل يحمل أعباء العمل من أجل أسرته، كذلك الزوجة تشعر بمسؤوليتها تجاه أسرتها، وكل يحفظ للآخر مكانته .
هذه الصورة التى ظهرت في أبهى حُلة ،إنها صورة بدائية جُبلت على الفطرة الإنسانية السليمة ، على الرغم من أنها بعيدة كل البعد عن التحضر والمدنية .
وذات يوم اقتربت سفينة كبرى من تلك القرية ، شعر الجميع بالزعر ، وتوجسوا خيفة منها ، ووقفوا جميعا في صمت يراقبون ، ولسان حالهم ؛ ما هذا ، ولماذا أتى إلى هنا ؟! .
ويقطع هذا المشهد المخيف صوت جهور يصدر من داخل السفينة ، قائلا لهم : لا تخافوا إنما جئتكم لأساعدكم ، وأبني لكم بيوتا جديدة ،وأُنشئ لكم سفن صيد كبرى .
ذهب الروع عن أهالي القرية ، وتوجه حكماؤها إلى صاحب الصوت الجهور ، والذي بدوره بدأ يترنح نزولا على درج سُلم وُضع له كي ينزل إلى الشاطئ .
دار بينهم حوار حول نيته ورغبته في تطوير القرية ،حيث عرض عليهم أساطيل صيد بدلا من قواربهم المتهالكة ، كما حدثهم عن المستقبل المشرق في انتظارهم، وأنهم سيجنون الكثير من المال ، وبعدها يصبحون أثرياء يتمتعون بحياتهم وأموالهم.
وبعد رحلة العمل الشاق ، ووصولهم إلى الثراء ،يستطيعون أن يقضوا أيامهم المتبقية في مكان بعيد عن التحضر والمدنية ، يقضوا وقتا جميلا ،حيث يبنون بيوتا صغيرة ، ويصطادون الأسماك بأيديهم ويُعدون الطعام ،وهكذا تكون قمة السعادة .
وفي وسط هذا الزخم من الوعود والأحلام يأتي صوت من وسط حشود أهل القرية مقاطعا : ولِما هذا العناء ،ونحن هنا بالفعل نقضي أيامنا في سعادة وبساطة ،وبعيدة عن تكلُف وتصنع المدينة .
إننا هنا نعيش الواقع بعيدا عن أحلامكم التي أحيانا تدوس على المبادئ والقيم من أجل الوصول إليها، قد تقترف إثما أو تظلم أحدا من أجل المال ، لذا يوجد لديكم أمراض لم نسمع عنها ، أمراض قد تفتك بالمجتمع بأثره، مثل الحقد والحسد ،والتناحر .
دعنا وشأننا ، دعنا مع أحلامنا البسيطة ، و بيوتنا وقواربنا المتهالكة ، دعنا في ترابطنا وتراحمنا .
فنحن رضخنا لحياتنا البائسة في نظرك ، بعيدا عن الطموح الذي قد يفكك وحدتنا ، ويقتل هيبة الرجل وحياء المرأة، دعنا من الطموح القائم على الأنانية،وعدم تحمل المسؤولية .
أما إن وجدت طموحا خاليا من هاتيك الأمراض ، فهلُم إلينا فنحن معك لبناء مجتمعا ناجحا متحضرا ومتكافل أهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: